مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

155

شرح فصوص الحكم

إلا عن جهله وقصوره في طريق التصوف . أيها المحب اسمع من لسان الفقير فائدة جديدة جليلة وهي أنه لما قال اللّه تعالى للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [ البقرة : 30 ] انضمت هذه المنازعة إلى علة آدم فأثرت في وجوده فكل آدم حاملا لها فخرجت من ذريته ثلاثة طوائف خليفة عن الحق والملائكة معا وهم الأنبياء والمرسلون وخليفة عن الحق وهم أولياء اللّه ومن كان في طريقهم وخليفة عن الملائكة فمقام الأولياء العفو والستر والنظر إلى جهة الكمال كما فعل الحق بآدم ولا ينظرون إلى جهة القصور بل كل شيء تام بنظرهم لعلمهم بأن اللّه تعالى قبل آدم وأوجد ولم يردّ قول الملائكة في حقه مع علمه بعصيان آدم ولم ينظر إلى قصورهم بل نظر إلى جهة كماله وقيل من كل عيب ثم أوجدهم وقال في جوابهم إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] يعني أن ما قلتم في حقه صدق لكنه إني أعلم منه غير ذلك من الكمال ولو علمتم ما أعلم لم ينازعني فلم علم الملائكة ما علم اللّه بتعليم الأسماء ارتفع نزاعهم فقالوا : لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 32 ] فهذا هو مقام أهل اللّه خلافة عن الحق وأما خليفة الملائكة فهم علماء الشريعة وأئمة الدين فإن مراد الملائكة بقوله : أَ تَجْعَلُ فِيها تقديس الحق وتنزيهه عما لا يليق بجناب عزه من الإفساد وسفك الدماء وغير ذلك من المناهي الشرعية لذلك قالوا : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] يعني لا يليق بحضرتك إلا التسبيح والتقديس فأقامهم اللّه في مقام التقديس مقام الملائكة فسبحوا وقدّسوا الحق بحسب علمهم على كل ما يليق به تسبيحهم وتقديسهم وإن لم يعلموا مرتبتهم فإذا علموا ما علم أهل اللّه ارتفع نزاعهم لعلمهم علما وراء علمهم الذي أنكروه قبل ذلك لحصرهم العلم على علمهم فما كان نزاعهم في التحقيق إلا لطلب العلم عن أهله وإن كانوا لا يشعرون بذلك فالنزاع ينشأ من عدم علمهم بحقيقة العلم فإذا علموا سلموا كالملائكة عند علمهم من آدم بما علم اللّه منه كما أن الملائكة ليس مرادهم المنازعة مع الحق بل طلب العلم بحكمة الخلافة مع التقديس جناب الحق فإذا كان العلماء خليفة الملائكة وجب تعظيمهم كالملائكة بل هم أحق بالتعظيم من الملائكة فهم البشر الملك والملك ملك وحده فإنهم حجة واضحة للَّه تعالى في الأرض عامة الحكم لجميع الناس وليس كذلك أهل الحق فإنهم حجة مخصوصة لطائفة مخصوصة وكم بينهما إلا فتعظموهم على أيّ حال كانوا من الإقرار والإنكار فإن إنكارهم بعض أفعال الفقراء وأقوالهم وأحوالهم عين تنزيههم الحق وتقديسهم عما لا يليق به اقتضت غيره الحق بحسب مقامهم صدوره منهم فتعظيمهم تعظيم الحق والملائكة وتعظيم الأنبياء فإنهم كأنبياء بني إسرائيل وورثة الأنبياء فهم حملوا على ظهورهم ما لا تحمله السماوات والأرض وما قدر أحد قدرهم إلا من علمه اللّه من لدنه علما فلا يصح